السيد هاشم البحراني

240

البرهان في تفسير القرآن

ثم ذبحوها وأخذوا قطعة - وهي عجب « 1 » الذنب الذي منه خلق ابن آدم ، وعليه يركب إذا أعيد خلقا جديدا - فضربوه بها ، وقالوا : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما أحييت هذا الميت ، وأنطقته ليخبر عن قاتله فقام سالما سويا ، وقال : يا نبي الله ، قتلني هذان ابنا عمي ، حسداني على بنت عمي فقتلاني ، وألقياني في محلة هؤلاء ليأخذا ديتي منهم . فأخذ موسى ( عليه السلام ) الرجلين فقتلهما ، فكان قبل أن يقوم الميت ضرب بقطعة من البقرة فلم يحي ، فقالوا : يا نبي الله ، أين ما وعدتنا عن الله عز وجل ؟ فقال موسى ( عليه السلام ) : قد صدقت ، وذلك إلى الله عز وجل . فأوحى الله عز وجل إليه : يا موسى ، إني لا أخلف وعدي ، ولكن لينقدوا إلى الفتى « 2 » ثمن بقرته ملء مسك ثور « 3 » دنانير ، ثم أحيي هذا الغلام . فجمعوا أموالهم ، فوسع الله جلد الثور حتى وزن ما مليء به جلده فبلغ خمسة آلاف ألف دينار ، فقال بعض بني إسرائيل لموسى ( عليه السلام ) - وذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة - : لا ندري أيهما أعجب : إحياء الله هذا الميت وإنطاقه بما نطق ، أو إغناء هذا الفتى بهذا المال العظيم ! ! فأوحى الله إليه : يا موسى ، قل لبني إسرائيل من أحب منكم أن يطيب في الدنيا عيشه ، وأعظم في جناني محله ، وأجعل لمحمد « 4 » فيها منادمته ، فليفعل كما فعل هذا الصبي ، إنه قد سمع من موسى بن عمران ( عليه السلام ) ذكر محمد وعلي وآلهما الطيبين ، فكان عليهم مصليا ، ولهم على جميع الخلائق من الجن والإنس والملائكة مفضلا ، فلذلك صرفت إليه المال العظيم ليتنعم بالطيبات ويتكرم بالهبات والصلات ، ويتحبب بمعروفه إلى ذوي المودات ، ويكبت « 5 » بنفقاته ذوي العداوات . فقال الفتى : يا نبي الله ، كيف أحفظ هذه الأموال ؟ أم كيف أحذر من عداوة من يعاديني فيها ، وحسد من يحسدني من أجلها ؟ قال : قل عليها من الصلاة على محمد وآله الطيبين ما كنت تقول قبل أن تنالها ، فإن الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد يحفظها عليك أيضا ويدفع عنك « 6 » ، فقالها الفتى فما رامها « 7 » حاسد له ليفسدها ، أو لص ليسرقها ، أو غاصب ليغصبها ، إلا دفعه الله عز وجل عنها بلطف من ألطافه « 8 » حتى يمتنع من ظلمه اختيارا ، أو

--> ( 1 ) العجب : أصل الذنب . « الصحاح - عجب - 1 : 177 » ، وفي المصدر : عجز . ( 2 ) في المصدر : ليقدموا للفتى . ( 3 ) في المصدر : ملء مسكها . ( 4 ) في المصدر : لمحمّد وآله الطيّبين . ( 5 ) الكبت : الصرف والإذلال . « الصحاح - كبت - 1 : 262 » . ( 6 ) في المصدر : عليك أيضا بهذا القول مع صحّة الاعتقاد . ( 7 ) في « س » : رآها . ( 8 ) في « ط » نسخة بدل : بلطيفة من لطائفة .